علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

150

ثمرات الأوراق

بريقهما وسوادهما ، وقال لأهله : ما هذا الّذي ظهر في رأس الخشف ؟ فقالوا : قرناه ، وقالوا له : إنّهما سيكبران ويطولان . فقال الغلام لأبيه : إنّي أحبّ أن أرى غزالا كبيرا له قرنان كاملان ، فأمر أبوه بعض الصّيّادين أن يصيد له غزالا كبيرا ، فأحضر له غزالا قد استكمل قوّة ونموّا ، فأعجب الغلام ، وحلّى جيده أيضا ، فأنس الغزال الكبير بالخشف الصّغير للمجانسة الطّبيعيّة ، فقال الخشف للغزال : ما كنت أظنّ لي في الأرض شكلا قبل أن أراك ؟ فقال له الغزال : إن أشكالك كثيرة . فقال الخشف : وأين هي ؟ فأخبره الغزال بتوحّشها وانفرادها في فلوات الأرض وتناسلها ، فارتاح الخشف لذلك وتمنّى أن يراها . فقال له الغزال : هذه أمنيّة لا خير لك فيها ، لأنّك نشأت في رفاهية من العيش ، ولو حصلت على ما تمنّيت لندمت ، فقال الخشف للغزال : لا بدّ من اللّحاق بأشكالي . فلمّا رأى الغزال أن الخشف غير راجع ، لم يجد بدّا من قضاء أربه لحرمة الألفة ، فرصدا وقتا قابلا ، وخرجا معا حتى لحقا بالصّحراء ، فلمّا عاينها الخشف فرح ومرح ، ومرّ يعدو لا يلتفت إلى ما وراءه ، فسقط في أخدود ضيّق قد قطعه السّيل ، فانتظر أن يأتيه الغزال فيخلّصه فلم يأته . وأمّا ولد التّاجر فإنّه تنكّد لفقد الخشف والغزال ، وأشفق أبوه عليه ، فاستدعى كلّ من يعاني الصّيد ، فعرّفهم القصّة ، وكلّفهم طلب الخشف والغزال ، ووعدهم بالمكافأة على ذلك ، وركب التّاجر معهم ، وفرّق أتباعه على أبواب المدينة ينتظرون من يأتي من الصّيّادين ، وانطلق هو وعبيده حتّى دخلوا الصحراء ؛ فرأوا على بعد رجلا منكبّا على شيء بين يديه ، فأسرعوا نحوه فرأوا صيّادا قد أوثق غزالا كبيرا وقد عزم على ذبحه ، فتأمّله التّاجر فإذا هو الغزال الكبير الّذي لولده ، فخلّصه من الصّياد ، وأمر عبيده ففتّشوه ، فوجدوا معه الحليّ الّذي كان على هذا الغزال فسأله : كيف ظفر به ، وأين وجده ؟ فقال : إنّي بتّ في هذه الصّحراء ، ونصبت شركا ، ومكثت قريبا منه ، فلمّا أصبحت مرّ عليّ هذا الغزال ومعه خشف يعدو ويمرح في جهة غير جهة الشّرك ، وجاء هذا الغزال يمشي حتى حصل « 1 » فيه فقنصته ، وقصدت به المدينة ، فلمّا بلغت هذا الموضع ظهر لي أنّي مخطئ في إدخال هذا الظّبي إلى المدينة حيّا لعلمي أنّه إذا رئي حيّا طولبت بما كان عليه من الحليّ ، فرأيت أن أذبحه وأدخل به لحما . فهذا خبري . فقال له التّاجر : لقد جنى عليك جمعك الخيبة فماذا عليك لو أطلقته ، وحصلت على ما كان عليه من الحليّ ! ثم إنّ التّاجر أرسل الغزال إلى ولده مع أحد عبيده ، وقال للصّيّاد : ارجع معي ،

--> ( 1 ) ب : « وقع » .